لماذا يرى المستثمر الذكي فرصة بينما يسيطر الذعر أو الطمع على بقية السوق؟ يشرح شريف النبوي، من واقع أكثر من 15 عامًا في الأسواق، كيف تُقرأ الأزمات ودورات القطاعات، ولماذا يحتاج المستثمر إلى خطة تحميه من سيكولوجية القطيع. قصص حقيقية عن NVIDIA، النفط السالب، والقرارات التي تصنع الفارق بين الصبر الواعي والعناد.
في لحظة الأزمة يرى أغلب الناس خسارة يجب الهروب منها، بينما يبحث رأس المال الذكي عن أصل تأثر أكثر مما يستحق أو قطاع يستفيد من التحول. لكن الفرق الحقيقي ليس في الجرأة وحدها؛ بل في الدراسة، والانضباط، والقدرة على إدارة الخوف والطمع.
تقديم: أحمد هشام بنكنوت
الضيف: شريف النبوي، خبير الأسواق المالية والاستثمار
المحتوى تعليمي وتوعوي ولا يمثل توصية بشراء أو بيع أي ورقة مالية أو أداة استثمارية.
نسخة تحريرية منقحة من الحلقة؛ حُذفت التكرارات والتوقفات اللفظية، وصُححت المصطلحات مع الحفاظ على المعنى والسياق الأصليين.
تقديم: أحمد هشام بنكنوت
ضيف الحلقة: شريف النبوي، خبير الأسواق المالية والاستثمار
مدة الحلقة: 31:48
أحمد هشام: عندما أقابل مدير استثمار عاش في السوق سنوات طويلة أشعر أن خبرته لم تعلّمه الأرقام فقط؛ بل كيفية التعامل مع الناس نفسيًا وعاطفيًا. شريف النبوي أمضى أكثر من 15 عامًا بين السوق المحلي والأسواق العالمية.
شريف النبوي: منذ الجامعة كنت أكره العمل الروتيني، ولفتتني حركة الأسواق: شاشات تتغير، وأسعار تصعد وتهبط، وقرارات جديدة كل يوم. بعد التخرج بدأت في تداول شهادات الإيداع الدولية، ثم تعاملت مع أفراد ومؤسسات في السوق المحلي، وبعدها انتقلت إلى الأسواق العالمية وإدارة المحافظ.
التداول يعرّفك على قرار العميل في لحظة، لكن إدارة المحفظة تجعلك تعيش معه الرحلة كلها: أهدافه، وخوفه عند الهبوط، وطمعه عندما ترتفع الأسعار، ومدى قدرته على تحمّل المخاطرة.
شريف النبوي: بعد ثورة يناير أُغلقت البورصة المصرية، وكان القلق مسيطرًا على الجميع. وسط هذا الارتباك اتصل عميل وطلب بيع سهم البنك التجاري الدولي على المكشوف في لندن. كان يرى أن أثر الأحداث المحلية لم ينعكس بعد بالكامل على شهادة الإيداع المتداولة هناك.
خلال أسابيع انخفض السعر بنحو 30% إلى 40%، فأغلق المركز البيعي، ثم اشترى السهم ليستفيد من التعافي بعد استقرار الأوضاع. هذا الموقف علّمني أن أقيس حجم الأزمة، والجهات التي ستتأثر بها، والمدة المحتملة قبل التعافي، بدل الاكتفاء بالخوف.
أحمد هشام: المستثمر لا يربح فقط عندما ترتفع الأصول؛ أحيانًا توجد أداة أو أصل يتحرك في الاتجاه المقابل. المهم أن يفهم ما يفعله، لا أن يطارد الحركة بعد وقوعها.
شريف النبوي: الأموال تتحرك بين قطاعات وأصول مختلفة. قد تقود البنوك فترة، ثم تتحرك البتروكيماويات مع أسعار النفط، ثم تنتقل السيولة إلى التكنولوجيا أو المعادن. عندما تصعد أصول يفترض أن تتحرك عكسيًا في الوقت نفسه، يجب أن نسأل إن كان هناك خلل أو مبالغة في النظام.
تاريخيًا، عندما يقتنع الجميع بأن أصلًا ما يستحيل أن يهبط، نقترب غالبًا من مرحلة متقدمة في دورة الصعود. حدث ذلك في فقاعة الدوت كوم؛ مجرد اقتران اسم الشركة بكلمة «دوت كوم» كان يدفع السعر بعنف، حتى انتهت الموجة بانهيار واسع.
أحمد هشام: نرى الناس تشتري عندما يصبح الأصل حديث الجميع، ثم تبيع عندما ينتشر الخوف. لماذا؟
شريف النبوي: لأن معظم الناس تنتظر الدليل الاجتماعي: صديق أو قريب يقول إنه ربح، فتشعر أن الفرصة مضمونة. لكن إذا كان كل من حولك قد اشترى بالفعل، فمن المشتري الجديد الذي سيدفع السعر إلى أعلى؟ رأس المال الذكي يحاول الدخول قبل الانتشار، ثم يبدأ الخروج عندما يتحول الأصل إلى حديث كل مجلس.
هذا لا يعني البيع لمجرد أن الأصل أصبح مشهورًا، بل يعني أن الشهرة ليست سببًا للشراء. القرار يجب أن يعود إلى القيمة، والسيولة، والطلب، والفرضية التي دفعتك إلى الاستثمار من البداية.
شريف النبوي: في 2021 أعد فريقنا تقريرًا عن أشباه الموصلات وشركات مثل NVIDIA وAMD وTSMC. اقتنع أحد المستثمرين بالرؤية واشترى، ثم جاءت 2022 بارتفاعات قوية في أسعار الفائدة وهبوط حاد في أسهم التكنولوجيا. انخفض سهم NVIDIA من نحو 31 أو 32 دولارًا بعد احتساب التجزئة إلى قرابة 11 أو 12 دولارًا.
المستثمر لم يتجاهل الخسارة، لكنه راجع الفرضية طويلة الأجل: الطلب على الحوسبة وأشباه الموصلات ما زال قائمًا. بعد ظهور موجة الذكاء الاصطناعي وتعافي القطاع تحولت الخسارة الكبيرة إلى مكسب قوي.
أحمد هشام: الفارق هنا أن الصبر كان مبنيًا على دراسة، لا على رفض الاعتراف بالخطأ.
شريف النبوي: بالضبط. إذا تغيّرت الفرضية نفسها يجب أن تتحرك. أما إذا كان الهبوط ناتجًا عن دورة سوقية مؤقتة وكانت الشركة ما تزال تحقق أسباب الاستثمار، فقرار الاحتفاظ قد يكون منطقيًا.
شريف النبوي: أكبر تحديين لأي مستثمر هما الخوف والطمع. الخوف قد يدفعك للبيع عند أقل سعر، والطمع قد يدفعك إلى مضاعفة المخاطرة قرب القمة. لذلك تحتاج إلى خطة تحدد مدة الاستثمار، ونسبة كل أصل، ومتى تخرج إذا تغيّرت المعطيات.
أحمد هشام: وماذا عن الأفكار التي تأتي من إحساس أو حلم؟
شريف النبوي: الحدس الناتج عن خبرة طويلة يمكن اختباره، لكن الحلم ليس تحليلًا. أي فكرة يجب أن تجد لها أساسًا يمكن قياسه: نمو الإيرادات، منتج جديد، تحسن في السوق، أو ميزة تنافسية. الشعور وحده لا يكفي لوضع المال في سهم.
شريف النبوي: أثناء إغلاقات كورونا هبطت أسعار النفط بقوة. رأى عميل أن وصول البرميل إلى قرابة 17 دولارًا يعني أن الهبوط انتهى، وأصر على الشراء. لكن المشكلة لم تكن في السعر فقط؛ الطلب انهار، ومرافق التخزين امتلأت، والعقود الآجلة اقتربت من موعد التسليم.
بعض المضاربين لا يملكون خزانات ولا يريدون استلام النفط فعليًا. عندما لم يجدوا مشتريًا يستلم العقود، اضطروا إلى الدفع لمن يأخذها، ووصل السعر إلى المنطقة السالبة. الدرس: انخفاض السعر إلى النصف لا يجعل الأصل فرصة تلقائيًا؛ يجب أن تفهم آلية المنتج ومصدر الضغط.
شريف النبوي: مدير الاستثمار يقدم رأيًا مبنيًا على بيانات وتحليل مالي وفني، لكنه لا يملك كرة سحرية. قد يختار عميل مخاطرة أعلى ويحقق عائدًا أكبر، وقد يحدث العكس. المهم أن يعرف العميل حجم ما قد يخسره قبل أن ينظر إلى الربح المحتمل.
في المؤسسات لا يدير شخص واحد المحفظة وحده؛ توجد لجنة استثمار تناقش الفرضيات والنسب والتوقيت. الاختلاف غالبًا لا يكون حول كون الأصل ممتازًا أو سيئًا بصورة مطلقة، بل حول مقدار التعرض للمخاطرة، ومتى نخفض المركز، ومتى نضيف إليه.