كيف تحولت سيارة قيمتها 67 ألف جنيه إلى أول رأس مال في رحلة انتهت ببناء مجموعة شركات؟ يروي محمد رزق انتقاله من تجارة الأخشاب إلى المصانع والملاحة والعقارات، وكيف تعامل مع أزمات 2008 وثورة يناير وكورونا باعتبارها لحظات لإعادة التموضع لا أسبابًا للتوقف. حوار عملي عن المخاطرة، التفويض، التعليم وبناء الثروة.
باع محمد رزق أول سيارة امتلكها وحوّل ثمنها، 67 ألف جنيه، إلى بضاعة في تجارة الأخشاب. لم تكن هذه «ضربة حظ»؛ بل بداية منهج يقوم على فهم المشكلة، والتحرك وقت الأزمات، وتفويض المتخصصين بدل محاولة إدارة كل شيء بنفسه.
تقديم: أحمد هشام بنكنوت
ضيف الحلقة: رجل الأعمال محمد رزق
المحتوى تعليمي وتوعوي، وتجارب الضيف لا تمثل ضمانًا لنتائج مماثلة أو توصية استثمارية.
نسخة تحريرية منقحة من الحلقة؛ حُذفت التكرارات والتوقفات اللفظية، وصُححت المصطلحات مع الحفاظ على المعنى والسياق الأصليين.
تقديم: أحمد هشام بنكنوت
ضيف الحلقة: رجل الأعمال محمد رزق
مدة الحلقة: 58:10
أحمد هشام: كيف تعرّف النجاح بعد رحلة امتدت من تجارة الأخشاب إلى الملاحة والعقارات؟
محمد رزق: النجاح بالنسبة لي أن أضيف شيئًا للناس من حولي: أحسن مستوى معيشتهم، أو أوفر فرص عمل، أو أقدم فكرة ومنتجًا جديدين. إذا جعلت جمع المال هو الهدف الوحيد فلن تبني شيئًا مستدامًا؛ المال يأتي نتيجة لحل مشكلة حقيقية وخدمة الناس بصورة أفضل.
بدأت العمل وأنا في الخامسة عشرة، لأن تجارة الأخشاب جزء أساسي من حياة دمياط، وكان والدي مستوردًا للأخشاب ويحرص على وجودنا في العمل مبكرًا. هذه الخبرة العملية جعلتني أفهم الأنواع والأسعار واحتياجات السوق قبل أن أبدأ مشروعي الخاص.
محمد رزق: عندما كنت في الثامنة عشرة اشترى لي والدي سيارة نيسان قيمتها 67 ألف جنيه. بعد ستة أشهر طلبت منه أن أبيعها وأستخدم ثمنها في التجارة. وافق بشرط ألا يشتري لي سيارة أخرى إذا خسرت المال.
بعتها مقابل 67,500 جنيه، واشتريت بثمنها أخشابًا. خلال شهرين أو ثلاثة ارتفعت الأسعار، فتحول رأس المال إلى قرابة 105 آلاف جنيه. فرحتي لم تكن بالسيارة؛ بل بأن المال أصبح أصلًا يتحرك وينمو. من هنا بدأت أتاجر لحسابي بجزء صغير بجوار عمل العائلة.
محمد رزق: كنت متفوقًا وأحب الفيزياء والرياضيات، ودخلت كلية الطب. لكن والدي رأى أن مستقبلي في التجارة، فتحولت إلى كلية التجارة وبدأت أسافر إلى السويد للتعامل مع المصانع. كنت أجمع المنهج قبل الامتحانات، بينما كان عملي الأساسي فهم السوق والتفاوض على التوريد.
في أول رحلة اتصلت بأكثر من مئة مصنع خلال شهر من دون أن يوافق أحد على مقابلتي. في النهاية وجدت مصنعًا صغيرًا في شمال السويد يملك خامة جيدة من روسيا، لكنه كان يجفف الخشب بطريقة بدائية تحد من الإنتاج والجودة. عرضت شراكة لتمويل المجففات وتحديث التشغيل وتسويق الإنتاج في مصر وشمال أفريقيا.
بعد التطوير ارتفع إنتاج المصنع من نحو 50 ألف متر إلى 300 ألف متر، وأصبحت الكميات تُحجز قبل وصولها إلى المخازن. لم تكن الفرصة في شراء الخشب فقط؛ بل في تحديد الجزء الذي يمنع المصنع من النمو وحله.
محمد رزق: عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية أرادت المصانع التخلص من المخزون، وانخفض سعر الخشب الذي كان يقارب 300 دولار إلى قرابة 100 دولار. عرفت أن تكلفة التصنيع نفسها أعلى من هذه المستويات وأن استمرار السعر طويلًا صعب.
اتفقت مع ثلاثة مصانع كبيرة على شراء إنتاجها لمدة عام بسعر ثابت يقارب 90 دولارًا. كان القرار مخاطرة؛ فالسوق المصري وشمال أفريقيا يجب أن يستوعبا الكميات. خلال أشهر عاد السعر إلى قرابة 300 دولار، بينما التزمت المصانع بالعقود. هذه الصفقة صنعت طفرة كبيرة لأنها قامت على فهم التكلفة والطلب، لا على توقع عشوائي.
محمد رزق: كانت السفن تأتي بالأخشاب من السويد، ثم تعود فارغة. بحثت عن بضائع مصرية يمكن شحنها في رحلة العودة مثل البرتقال والبصل، وكنت أقدم السعر بالتكلفة تقريبًا كي أخفض تكلفة الدورة كاملة.
مع تكرار الرحلات ظهر أن الشحن نفسه نشاط قابل للنمو. اشتريت سفينة ثم توسع الأسطول تدريجيًا. الشحن البحري يختلف تمامًا عن تجارة الأخشاب، وله مخاطر تشغيلية وتأمينية كبيرة، لذلك لا بد من فرق متخصصة وتأمين مناسب للسفينة والطاقم والبضاعة.
محمد رزق: بعد ثورة يناير اتجه الناس إلى العقار لحفظ قيمة أموالهم. كانت لدينا قطعة أرض في رأس البر، فبدل بيعها قررت تطويرها كمجمع سكني. نجح المشروع وبِيع سريعًا، ومن هنا توسعنا في التطوير العقاري.
أنا لا أؤمن بأن الظروف الجيدة وحدها تصنع النجاح. الأزمة تغيّر احتياجات الناس؛ ومهمة صاحب العمل أن يفهم الاتجاه الجديد ويقدم ما يحتاجه السوق. لا توجد فائدة من الوقوف أمام المشكلة وتكرار أن الظروف صعبة.
محمد رزق: في بداية كورونا توقفت الموانئ وسلاسل الإمداد، وكانت السفينة الواحدة تكلف نحو 20 ألف دولار يوميًا حتى وهي متوقفة. بعض الملاك باعوا السفن خردة لأن استمرار المصروفات كان يمكن أن يلتهم قيمتها خلال أشهر.
رأيت أن العالم لا يمكن أن يتوقف إلى الأبد وحافظت على الأصول. عندما عاد النشاط ظهرت أزمة نقص السفن والحاويات؛ تضاعفت أسعار الشحن عدة مرات، وقفزت قيمة سفن كانت تباع بنحو خمسة ملايين دولار إلى قرابة 15 مليونًا. الخسارة التشغيلية كانت مؤلمة، لكن الندرة التي أعقبت الأزمة غيّرت المعادلة بالكامل.
محمد رزق: عندما أدخل مجالًا جديدًا أبحث عن رئيس تنفيذي يفهمه بعمق، حتى لو كان راتبه مرتفعًا. أمنحه مساحة لاتخاذ القرار، وأحدد أهدافًا واضحة، ثم أحاسبه على النتائج. إذا تدخلت في كل قرار سأغرق في التشغيل ولن أستطيع التفكير في المشاريع التالية.
لا يوجد شخص يفهم كل الصناعات. دوري هو اختيار الناس، وبناء النظام، وتحديد الهدف، ومراجعة الأداء. الفكرة أهم من امتلاك مشروع كبير؛ النظام الجيد هو الذي يحول الفكرة إلى عمل يستمر من دون اعتماد كامل على صاحبه.
محمد رزق: لا أحسب ثروتي باستمرار ولا أريد أن أعطي أولادي أموالًا من دون إعدادهم. المال الجاهز قد يضيع سريعًا إذا لم يفهم صاحبه كيف أُنتج. الأهم أن يحصلوا على تعليم جيد، ويتعلموا وضع الأهداف والانضباط والعمل.
مع تقدمي في العمر أصبحت المخاطرة أكثر حسابًا، لكنني لا أندم على المخاطر التي أخذتها في العشرينات والثلاثينات؛ حتى الخسارة كانت ثمنًا للتعلم. الفارق أن المخاطرة يجب أن تكون مفهومة، لا اندفاعًا بلا خطة.
محمد رزق: في بعض المشروعات نبيع نحو 60% ثم نحتفظ بـ40% حتى الاقتراب من التسليم. البيع المبكر يمول التنفيذ، بينما الوحدات المحتفظ بها تستفيد من تطور المشروع وارتفاع القيمة. النسبة لا تُختار عشوائيًا؛ تحددها دراسة الجدوى، والتدفقات النقدية، ووتيرة البناء.
التسعير يشمل تكلفة الأرض والخامات والتمويل والمنافسة وطريقة السداد. العميل النقدي يختلف عن من يقسط لسنوات، لذلك نبني نموذجًا ماليًا كاملًا بدل إضافة هامش ثابت على التكلفة.
محمد رزق: مصر تملك سوقًا عقاريًا ضخمًا، لكن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى وضوح وسهولة: جهة تتحقق من سجل المطور، ونظام أسرع لتسجيل الملكية ونقلها، وربط كل عقار بهوية رقمية، وحوافز إقامة واضحة مثل الموجودة في أسواق متوسطية وخليجية.
تصدير العقار يمكن أن يجلب عملة أجنبية، لكنه يتطلب ثقة في الإجراءات وضمانًا لحقوق المشتري. الموقع والسعر وحدهما لا يكفيان إذا كانت دورة التسجيل أو الاستعلام معقدة.
محمد رزق: أبدأ يومي في السادسة صباحًا بالتخطيط، وأعمل حتى المساء، ثم أخصص وقتًا ثابتًا للتعلم. حصلت على ماجستير في إدارة الأعمال وأدرس الدكتوراه في التسويق، لأن التوسع من دون تعلم يحول الخبرة القديمة إلى قيد.
الهدف القادم هو دخول مجال التكنولوجيا؛ فهو محرك رئيسي للاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه نحتاج إلى تمويل أسهل للمشروعات المنتجة. أسعار الفائدة المرتفعة جدًا تجعل الاحتفاظ بالمال أكثر جاذبية من تشغيله، بينما بناء الشركات يحتاج إلى رأس مال يقبل المخاطرة المحسوبة.